في الاستعمال اليومي يُقال «سامّ» للعقرب والأفعى والنحلة والفطر على السواء. ولا ضير في ذلك في لغة الحديث، غير أن كلمة واحدة تجمع في علم الأحياء ظاهرتين متمايزتين. والتمييزُ الإنجليزي بين venom و poison يقوم على كيفية إيصال المادة أكثر مما يقوم على ماهيتها. ويتناول هذا المقال معيار التمييز، والمفاهيم القريبة منه، ونتائجه في الممارسة.
معيار التمييز: طريقة الإيصال
السم المحقون إفراز يوصله كائن حي إلى نسيج كائن آخر عبر تركيب خاص يُحدث جرحًا. والإبرة والناب والشوكة والمهماز أمثلة على هذه التراكيب؛ وتؤلف الغدةُ المنتجة للإفراز والأداةُ الموصِلة له جهازًا واحدًا. أما السم فيُحدث أثره حين يُؤكل الكائن الحامل له أو يُلمَس أو يُستنشق؛ ولا أداة إيصال فاعلة في هذه الحال. وكثيرًا ما تُذكر خلاصة تسهّل التذكر: إذا تضررتَ حين عضضتَ كائنًا فهو سامّ، وإذا تضررتَ حين عضّك هو أو لدغك فهو صاحب سم محقون.
ومحور التعريف سلوكٌ لا جزيء. فالمادة الواحدة من الصنف الكيميائي نفسه قد تكون في كائن جزءًا من السم المحقون وفي آخر جزءًا من السم. ولهذا لا يُحكم على مادة بالنظر إليها وحدها أمن هذا الباب هي أم من ذاك؛ بل يُنظر إلى كيفية استخدام الكائن لها.
وليس التمييز مسألة مصطلحات فحسب. ففي الكائن ذي السم المحقون يكون الإفراز جزءًا من منظومة تطورت مع الغدة المنتجة له والتركيب الذي يخزّنه والأداة التي توصله. ولهذا يدرس الباحثون السم المحقون في الغالب مع غدته وجهازه معًا. أما في الكائنات السامة فقد يكون مصدر المادة مختلفًا: فبعض الأنواع لا تنتج السم بنفسها، بل تكتسبه من غذائها أو من بكتيريا تعيش معها. ويُضرب مثلًا على ذلك الرأي القائل إن التترودوتوكسين في سمك الينفوخ بكتيري المنشأ.
مفاهيم قريبة
| المفهوم | التعريف | مثال |
|---|---|---|
| السم المحقون (Venom) | إفراز يُوصَل بفعل نشط عبر أداة تُحدث جرحًا | العقرب، والنحلة، والأفعى، وحلزون المخروط |
| السم (Poison) | مادة تؤثر تأثيرًا سلبيًا عن طريق الأكل أو الملامسة أو الاستنشاق | ضفادع السهام السامة، وسمك الينفوخ، وبعض أنواع الفطر |
| التوكسونجين | إفراز يُوصَل إلى سطح الجسم بالرش أو القذف من غير إحداث جرح | خنفساء القاذف، ورذاذ بعض أنواع الكوبرا |
| الذيفان | جزيء واحد ذو منشأ حيوي يمكن أن يكون فعالًا بمفرده | ببتيد واحد من السم المحقون |
| المادة السامة (Toxicant) | مادة سامة من صنع الإنسان | بعض المبيدات الاصطناعية |
ومفهوم التوكسونجين حديث نسبيًا، وقد اقتُرح لتسمية الأمثلة الواقعة بين الفئتين. فالإفراز الذي توصله الكوبرا بالعض سم محقون؛ فإذا رشّت الإفراز نفسه في عيني خصمها تغيّرت طريقة الإيصال فعُدّ توكسونجينًا. وبفضل هذا المفهوم صار من الممكن استخدام اسم متسق للكثير من الحشرات ومفصليات الأرجل التي ترش إفرازات دفاعًا عن نفسها.
أما كلمة «ذيفان» فتدل على جزيء واحد لا على خليط. فسم العقرب خليط يحتوي عشرات الذيفانات؛ وببتيدات α-KTx من الأمثلة المدروسة جيدًا على هذه الذيفانات. وقد شُرح التركيب العام للخليط في مقال سم العقرب.
كيف تشكّل طريقة الإيصال الكيمياء؟
لأن السم المحقون يُعطى إلى النسيج مباشرة فليس مضطرًا إلى تجاوز حواجز الجهاز الهضمي. ولهذا تكون السموم المحقونة في الغالب خلائط يغلب عليها البروتين والببتيد؛ وجزء مهم من هذا الصنف من الجزيئات يتفكك أمام حمض المعدة وإنزيمات الهضم. أما السموم فمضطرة إلى إحداث أثرها عند ابتلاعها أو امتصاصها عبر الجلد. ويكثر بينها جزيئات صغيرة متينة كالقلويدات والمواد ذات البنية الستيرويدية. وقلويداتُ جلد الضفادع والتترودوتوكسين في سمك الينفوخ من الأمثلة المعروفة على هذه المجموعة.
وهذا التعميم يصف ميلًا عامًا لا قاعدة سلامة. فلا يجوز افتراض أن مكوّنات السم المحقون عديمة الأثر عن طريق الفم؛ فمادةُ سم منقّاة أو مركَّزة قد تحمل خطرًا جسيمًا في كل طرق التعرّض. ويوضح القسم الأخير هذا الفرق.
ووجود أداة الإيصال يحدد أيضًا كيف يستخدم الكائن إفرازه. فالحيوانات ذات السم المحقون تستخدم إفرازها لاصطياد الفريسة أو للاحتماء من المفترس، وكثير منها يستطيع ضبط المقدار المصروف بحسب الحال. أما في الكائنات السامة فالمادة دفاعية في الغالب: فالكائن الذي يأكلها أو يلمسها يتضرر ويتعلم تجنبها في اللقاء التالي. وحملُ كثير من الأنواع السامة ألوانًا تحذيرية زاهية جزء من هذه الاستراتيجية.
الكائنات الجامعة للصفتين
وتُعدّ بعض الكائنات ذات سم محقون وسامة معًا. فبعض الأفاعي التي تعيش في آسيا توصل إفرازها بالعض من جهة، وتخزّن من جهة أخرى في غدد على أقفيتها موادَّ اكتسبتها من الضفادع التي تأكلها؛ فالمفترس الذي يأكل هذه الأفعى قد يُصاب بتسمم أيضًا. ووُصفت في بعض أنواع الضفادع كذلك القدرةُ على إيصال إفراز الجلد بأشواك في الجمجمة. وهذه الأمثلة تبيّن بوضوح أن التمييز مرتبط بطريقة الإيصال لا بالكائن.
والعقارب في هذا التمييز كائنات ذات سم محقون بلا لبس: فهي تنتج الإفراز في غدد في طرف الذيل وتوصله بالإبرة. وكل أنواع العقارب المعروفة تحمل سمًا محقونًا، غير أن جزءًا صغيرًا منها وحده يُعدّ ذا أهمية طبية؛ ومعظم هذه الأنواع في فصيلة Buthidae.
المصطلح البيولوجي وتصنيف السلامة
يبيّن التمييز بين السم المحقون والسم كيف يستخدم الكائن المادة. أما في المختبر أو في النقل فيُطرح سؤال آخر: ما مقدار خطر المادة على الإنسان في كل طريق من طرق التعرّض؟ وتجيب عن هذا السؤال أنظمةُ التصنيف الكيميائي، وهي لا تتخذ التعريف البيولوجي معيارًا.
ومثالٌ ملموس على هذا الفرق صحيفةُ بيانات السلامة الخاصة بمنتجنا. فالمادة من الناحية البيولوجية سم محقون؛ ومع ذلك تضع الصحيفة تصنيف سمّية حادة لطرق التعرّض الثلاثة جميعًا، أي الابتلاع وملامسة الجلد والاستنشاق، وتحمل العبارات H300 و H310 و H330. أي إن إفرازًا تطوّر ليُوصَل بالإبرة يُعامَل في حالته المجففة المركَّزة مادةً خطرة من كل طريق. ومعنى هذه العبارات مشروح في مقال GHS06.
وتتصرف تشريعات النقل تصرفًا مشابهًا: فاسم الشحن الرسمي لا يرد فيه لفظ venom، بل عبارة تعني ذيفانًا مستخلصًا من مصادر حية. واختيارُ المصطلح نتيجةٌ لكون الوثائق تتحدث بلغة الخطر لا بلغة علم الأحياء. أما في حال لدغة العقرب فالنهج الصحيح الوحيد هو التزام الهدوء، وإبقاء المنطقة الملدوغة بلا حركة، والاتصال بالرقم 112.




